ابن حزم

199

رسائل ابن حزم الأندلسي

محمد بن [ أبي ] عامر رحمه الله ، فلو وصف لي واصف بعض ما علمته منه لما صدقته . وأهل هذا الطبع أسرع الخلق محبة ، وأقلهم صبراً على المحبوب وعلى المكروه ، وبالضد ؛ وانقلابهم عن الود علي قدر تسرعهم إليه ؛ فلا تثق بملول ولا تشغل به نفسك ، ولا تعنها ( 1 ) بالرجاء في وفائه . فغن دفعت إلى محبته ضرورة بعده ابن ساعته ، واستأنفه كل حين من أحيانه بحسب ما تراه من تلونه ، وقابله بما يشاكله . ولقد كان أبو عامر المحدث عنه يرى الجارية فلا يصبر عنها ، ويحيق به من الاغتمام والهم ما يكاد أن يأتي عليه حتى يملكها ، ولو حال دون ذلك شوك القتاد ، فإذا أيقن بتصيرها إليه عادت المحبة نفاراً ، وذلك الأنس شروداً والقلق إليها قلقاً منها ، ونزاعه نحوها نزاعاً عنها ، فيبيعها بأوكس الأثمان . هذا كان دأبه حتى أتلف فيما ذكرنا عشرات ألوف الدنانير عدداً عظيماً . وكان رحمه الله مع هذا من أهل الأدب والحذق والذكاء والنبل والحلاوة والتوقد ، مع الشرف العظيم والمنصب الفخم والجاه العريض ؛ وأما حسن وجهه وكمال صورته فشئ تقف الحدود عنه وتكل الأوهام عن وصف أقله ولا يتعاطى أحد وصفه . ولقد كانت الشوارع تخلو من السيارة ويتعمدون الخطور على باب داره في الشاعر الآخذ من النهر الصغير على باب دارنا في الجانب الشرقي بقرطبة إلى الدرب المتصل بقصر الزاهرة ، وفي هذا الدرب كانت داره رحمه الله ملاصقة لنا ، لا لشيء إلا للنظر منه . ولقد مات من محبته جواركن علقن أوهامهن به ، ووفي ( 2 ) له فخانهن مما أملنه منه ، فصرن رهائن البلى وقتلهن الوحدة . وأنا اعرف جارية منهن كانت تسمى عفراء ، عهدي بها لا تتستر بمحبته حيثما جلست ،

--> ( 1 ) برشيه : تعللها . ( 2 ) برشيه : وربين ، وفي سائر الطبعات : ورئين .